عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

81

معارج التفكر ودقائق التدبر

الأوّل . وهو ما زال ولن يزال من الأزل إلى الأبد على ما هو عليه في ذاته وصفاته ، لا يعيا بإعادة الخلق بعد فنائه ، ولا يعجز عنه . إذن : فكيف يقع في توهّم المكذّبين بيوم الدّين ، وبالبعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، استبعاد هذا الإحياء بعد الموت ، استبعادا يجعله في تصوّرهم أمرا غير ممكن الوقوع ؟ ! هذا الدّليل دليل برهانيّ موجّه للّذين بدأت السّورة بالحديث عنهم ، وهم الكافرون الذين قالوا : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) . * قول اللّه تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) . اللّبس : بإسكان الباء وفتحها في اللّغة : اختلاط الأمر . يقال لغة : فلان في رأيه لبس ، أي : في رأيه اختلاط . ويقال : التبس عليه الأمر ، أي ؛ اختلط واشتبه . وجاء الإضراب بحرف بَلْ بعد طرح السؤال الاستفهاميّ التّعجيبيّ أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ؟ ! ليدلّ هذا الإضراب على أنّ جوابهم سيكون حتما : « لا » ، لأنّ الواقع المشاهد دامغ لهم ، وهم لا يستطيعون جحوده ، ولو بالمكابرة ، إلّا إذا فقدوا عقولهم وحواسّهم . ولكن يلزم من اعترافهم بعدم العجز في الخلق الأوّل ، أن يعترفوا بأنّ الخالق جلّ جلاله لا يعجز عن الخلق الجديد ، الذي تتمّ به إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم ، فهذا لازم عقليّ حتميّ . لكنّهم لم يعترفوا بهذا اللّازم العقليّ ، ولم يؤمنوا بوقوعه بعد البيانات الرّبّانيّة المنزّلة على الرّسول المؤيّد بالمعجزات الباهرات . بل هم في لبس من خلق جديد ، بتأثير رغباتهم وأهواء نفوسهم . لقد قطعوا الصّلة بين القضيّة المشهودة الحسّيّة ولازمها المنطقيّ